البكري الدمياطي

229

إعانة الطالبين

والغنيمة : فعيلة بمعنى مفعولة ، من الغنم ، وهو الربح . والفئ : مصدر فاء : إذا رجع . ثم استعملا في المال المأخوذ من الكفار . والمشهور تغايرهما - كما هو صريح كلام الشارح - وقيل كل منهما يطلق على الآخر إذا أفرد ، فإن جمع بينهما افترقا - كالفقير والمسكين . والأصل فيهما آية : * ( ما أفاء الله على رسوله ) * ( 1 ) وآية : * ( واعلموا أنما غنمتم من شئ ) * ( 2 ) ولم تحل الغنائم لاحد قبل الاسلام ، بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالا جمعوه ، فتأتي نار من السماء تأخذه . ثم أحلت للنبي ( ص ) ، وكانت في صدر الاسلام له خاصة ، لأنه كالمقاتلين : كلهم نصرة وشجاعة ، بل أعظم ، ثم نسخ ذلك ، واستقر الامر على ما يأتي . ( قوله : ما أخذناه ) أي معاشر المسلمين ، وهو قيد أول خرج به ما أخذه الذميون من أهل الحرب ، فإنه ليس بغنيمة . ( وقوله : من أهل حرب ) متعلق بأخذناه ، وهو قيد ثان ، خرج به ما أخذناه من الذميين ، وما أخذناه ممن لم تبلغه الدعوة أصلا ، أو دعوة نبينا ، وكان متمسكا بدين حق ، فهو ليس بغنيمة ، ومالهم يرد إليهم . وخرج به أيضا ، ما أخذناه من المرتدين فإنه فئ ، وليس بغنيمة . وقيد بعضهم أهل الحرب بكونهم أصليين ، وأخرج به المرتدين ، ولا حاجة إليه ، لان المراد من أهل الحرب من كانوا أصليين . ( قوله : قهرا ) صفة لموصوف محذوف ، أي أخذا قهرا بأن كان بإيجاف - أي إسراع خيل ، أو بغال ، أو إبل ، أو سفن - وهو قيد ثالث ، خرج به ما أخذناه منهم صلحا فهو فئ - كما سيأتي - وأسقط قيدا رابعا وهو : أن يكون المال الذي أخذناه منهم ملكا لهم . وخرج به ما إذا لم يكن كذلك كأن أخذه أهل الحرب من المسلمين قهرا ثم أخذناه منهم ، فيجب رده لمالكه . ( والحاصل ) أن الغنيمة هي مال أو اختصاص أخذه المسلمون من كفار أصليين حربيين مالكين له قهرا ، أي بقتال أو إيجاف لنحو خيل أو إبل . ( قوله : وإلا ) أي وإن لم نأخذه من أهل الحرب قهرا ، بأن أخذناه من غيرهم ، أو أخذناه منهم لا قهرا . فالأول : كالجزية المأخوذة من الذميين ، وكالمال المأخوذ من المرتدين . والثاني : كالذي صالحونا عليه . ( وقوله : فهو فئ ) أي فما أخذناه ممن ذكر هو فئ . والجملة جواب الشرط . ( قوله : ومن الأول ) أي الغنيمة . ( قوله : ما أخذناه إلخ ) فيه أن التعريف السابق للغنيمة لا يشمل ما ذكر ، لان المراد بالقهر ما كان بقتال وإيجاف خيل أو إبل ، وهذا ليس كذلك . ويمكن أن يقال : المراد بالقهر ما يشمل الحقيقي والتنزيلي ، وهذا من الثاني ، لأنه لما خاطر بنفسه ودخل دارهم على هذا الوجه ينزل منزلة القهر بالقتال ونحوه . ( وقوله : من دارهم ) أي الحربيين ، وهو ليس بقيد ، فمثله ما أخذناه منهم بدارنا ، حيث لا أمان لهم . ( وقوله : اختلاسا ) هو الاختطاف بسرعة على غفلة ، سواء كان من حرز مثله أم لا . ( وقوله : أو سرقة ) هي لغة : أخذ المال خفية . وشرعا : أخذه خفية من حرز مثله . فهو أخص من الاختلاس . ( قوله : على الأصح ) متعلق بما تعلق به قوله ومن الأول ، أي أن كونه من الأول مبني على الأصح . قال في التحفة : لان تغريره بنفسه قائم مقام القتال ، ومن ثم لو أخذ سوما ثم هرب أو جحده : اختص به . ويوجه بأنه لما لم يكن فيه تغرير لم يكن في معنى الغنيمة . ( قوله : خلافا لغزالي إلخ ) بيان لمقابل الأصح . ( قوله : وإمامه ) أي إمام الغزالي . أي شيخه - وهو إمام الحرمين - . ( قوله : حيث قالا ) أي الغزالي والامام . ( قوله : إنه ) أي ما أخذناه من دارهم اختلاسا أو سرقة . ( قوله : بلا تخميس ) ذكره تأكيد ، وإلا فيعلم من كونه مختصا بالآخذ أنه لا يخمس . ( قوله : الاجماع عليه ) أي على ما قالاه من أنه مختص بالآخذ . ( قوله : من الثاني ) أي الفئ . ( قوله : جزية ) هي ما أخذت من أهل الذمة في مقابلة كفنا عن قتالهم ، وإقرارهم بدارنا . ومثلها : الخراج ، وهو ضرب على الأرض ، صالحونا على أنها لنا ويسكنونها بشئ معلوم ، فهو حينئذ أجرة لا يسقط بإسلامهم .

--> ( 1 ) الحشر : 6 . ( 2 ) الأنفال : 41